حتى لا ننسى, شخصية الملك الحسن الثاني ، الذاتية والفكرية والسلكوية!
AtlasAbInfo
هذه دراسة لشخصية الملك الحسن الثاني رحمه الله، دراسة تحليلية، معتمدة على وثائق مدونة ، تدرس في اطارها العام، كمؤثرات تاريخية وتربوية، أسهمت بطريقة ما، في تكوين شخصية جلالة الملك ، الذاتية والفكرية والسلكوية ، وانعكست، بطريقة تلقائية، على تكوين مدرسة مغربية عصرية، في السياسة الداخلية والسياسية الخارجية ، وأصبحت تلك المدرسة التي انطبعت بطابع جلالة الملك الحسن الثاني، أهم ما يميز شخصية المملكة المغربية في العصر الحديث.ولعل من أهم الأسباب التي تنمي في نفوس هذا الأمل، هو شعور المحبة والإعجاب بشخصية الحسن الثاني، كملك استطاع بذكاء ان يمزج بين مثله وقيمه المستمدة من عقيدته الإسلامية، وبين مسؤولياته كقائد لأمة، وكموجه لسياسة، وكراسم لمعالم دولة عصرية.
تؤثر العوامل والمؤثرات الخارجية في تكوين الشخصية الانسانية، وتسهم في رسم معالمها الاساسية، تاركة للطاقات الذاتية لتلك الشخصية اطارا اخر للنمو والحركة، بحيث تتكامل المؤثرات الخارجية مع الاستعدادات الذاتية، وتسهم معا في تكوين شخصية انسانية متميزة ، ذات خصائص تختلف بها عن غيرها.
ويمكننا ان نبحث عن الشخصية الإنسانية في إطارها العام من خلال عاملين اثنين: احدهما: عامل تاريخي، يسهم بطريقة ايجابية في تكوين الشخصية الانسانية من خلال ما تختزنه الذاكرة ، من قيم ومفاهيم وعادات ومثل وامال، يسمعها الإنسان في طفولته الأولى، ثم تنمو في وعيه، حتى تصبح قيما ومثلا وامالا.
عامل تربوي، يسهم بطريقة مباشرة في تكوين الشخصية الإنسانية، وهذا العامل هو الذي يحدد للطفل في سنوات عمره الأولى بطريقة أكثر وضوحا خط سيره المستقبلي ، فكريا وسلوكيا، ويرتبط العامل التربوي بالعامل التاريخي برباط متين، فالعامل التاريخي يوحي بالقيم والمثل، في النفس، ويسهرعلى تنميتها، ويستعمل كل أساليب الإقناع العاطفي والعقلي لكي تاخذ تلك المثل والقيم مكانها في اعماق الذات البشرية، حتى تنعكس على جوانب السلوك الظاهري في الحياة العامة.
نمت شخصية الملك الحسن الثاني في اطار الشخصية المغربية المتميزة ، في خصائصها وطبائعها، وهي خصائص لا نجد صعوبة كبيرة في استكشاف بعض معالمها العامة.
العرش المغربي في نظر الشعب المغربي هو القيادة الدينية والسياسية والجهادية ، التي انبط بها مهمة الدفاع عن الشخصية المغربية، سواء في حماية معتقداتها الدينية، ومفاهيمها الاخلاقية، او في الدفاع عن وحدتها الوطنية ومصالحها العامة.
وتعتبر " البيعة " هي الوسيلة للتعبير عن شرعية الارتباط بين العرش والشعب ، وظلت البيعة في المغرب حتى الان ، هي اداة التعبير المتجدد عن الولاء للعرش كسلطة عليا تستمد قوتها وشرعية تصرفها من الامة، ممثلة في أصحاب الرأي والفكر فيها.
وبالرغم من كل ما اعترى العرش المغربي منذ نشأته الأولى في عهد مولاي ادريس حتى العصر الحديث، من صعوبات ونكبات وتمزقات وفتن داخلية وثورات، فقد ظل العرش المغربي قائما يمثل استمرارية الوجود المغربي، كقيادة عليا قادرة على إعادة الأمن والاستقرار في البلاد.
وتعاقبت اسر حاكمة على العرش المغربي، أدت كل منها دورها في مرحلة تاريخية معينة، ثم تخلت عن العرش عندما فقدت مبررات وجودها، أمام قيادة أكثر منها قدرة على تحقيق الاماني الوطنية.
استطاع العرش العلوي ان يحقق التلاحم بين القايدة الدينية والقيادة السياسية، وبذلك توفرت له من عناصر الكفاءة السياسية، وبذلك توفرت له من عناصر الكفاءة والجدارة ما مكن له من البقاء والاستمرار ، اذ قام ملوك هذه الاسرة بالمسؤولية الملقاة على عاتقهم، بصدق وأمانة .
وعندما اشتد الصراع بين الشعب المغربي وبين الاستعمار الفرنسي، اكتشف المستعمرون ان العرش المغربي ممثلا بسلطان المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه يقود حركة التحرير والاستقلال ، في ظل تحالف بين قائد الامة وشعبه، وتكامل في توزيع الأدوار، لتحقيق الاستقلال الكامل، وعندئذ انتهكت فرنسا حرمة العرش الذي يمثل إرادة الأمة، وخلعت قائد ثورةالتحريروالاستقلال عن عرشه، ولكن سرعان ما ادركت ان العرش المغربي لا تحميه ارادة فرنسية ، وانما تحميه وتدافع عنه ارادة شعب يمثل العرش ضميره وارادته وكبريائه.
هذه العوامل والمؤثرات الخارجية، تمثل الإطار العام التاريخي لشخصية الملك الحسن الثاني، وقد اسهمت هذه العوامل بطريقة ايجابية غير مباشرة في رسم المعالم الذاتية والفكرية لجلالته.
ولما كان ملك المغرب هو ضمير الأمة المغربية، وهو المعبر بصدق وامانة عن تطلعاتها وامانيها كان من الملائم ان تكون المناهج التربوية التي يعدها سلطان المغرب لسمو ولي عهده، مراعية تلك الجوانب، ولهذا فان الملك المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه قد اعد لسمو ولي عهده مدرسة خاصة به، يلقن فيها المبادئ الفكرية التي تحقق الغرض المطلوب، ابتداء بدراسة العلوم الدينية التي تحظى برعاية خاصة في هذه المدرسة، وانتهاء بالتكوين الفكري الذي يتسم بصفة الشمول والتكامل المؤهل لحمل المسؤولية القيادية..
ومن المؤكد ان الطفل في مرحلة تكوينية يتأثر بكل الظروف التي تحيط باسرته ، وبمجتمعه، وجلالة الملك الحسن الثاني هو الابن الأكبر لملك المغرب، والمؤهل لحمل مسؤولية الملك، لا يمكن ان يعيش في معزل عن الصراع الذي كان يتصاعد بين ملك المغرب والحماية الفرنسية..
وفجأة يجد سمو الامير نفسه وعلى غير إرادة منه، يقف بصراحة ووضوح في مواجهة القوة الطاغية، يحرض زملاءه في المعهد المولوي على الثورة، معلنا تضامن القصر الملكي مع تطلعات شعبه..
وقبل ان يرتد الطرف اليه ، يجد القوة الطاغية بكل جبروتها ، تقتحم رمز الكرامة المغربية، وتخلع ملك المغرب عن عرشه، وتقوده مع اطفاله الى جزيرة نائية في مكان بعيد، وهناك يخلد الامير الجليل الى التأمل، ويسمع صوت شعبه من بعيد يناديه، وتتساقط الدموع من عينيه في صلاة خاشعة يكتشف فيها ذاته ، ويرفع يديه الى السماء .. يارب.. يارب..يارب..
المغفور له الملك الحسن الثاني شخصية متميزة في خصائصها الفكرية، وفي تكوينها الذاتي، وفي إسهامها الحضاري والإنساني.
تتميز شخصية الملك الحسن الثاني بخصائص ذاتية، من اليسير على أي مواطن في المغرب ممن كانوا يتابعون خطب جلالته وأقواله أن يلتمس بعض تلك الخصائص...سواء من الناحية الفكرية المتمثلة في وضوح عقائدي ملموس أو في التزام أخلاقي في التعامل السياسي، او في عمق ثقافي أسهم في تكوينه ونضجه استعداد شخصي وعقلي، صقلته وعمقته ثقافة مزدوجة واسمه.
يعتبر الملك الحسن الثاني من الشخصيات السياسية القليلة التي تتميز بالوضوح الفكري المقترن بمدا الالتزام.. واعتقد ان هذا الوضوح قد أسهمت في تكوينه وتعميقه ثقافة حقيقية، تلقاها جلالته، في مدارس وجامعات متقدمة في مناهجها، واستطاع أن يصل بها إلى ما يرقى به عن درجة الثقافة العامة التكوينية إلى الثقافة المتخصصة في علم القانون..
وعندما يحرص جلالته على ان يشرف بنفسه على الأنشطة الإسلامية، ممثلة في المناسبات الدينية، وحلقات الدروس الحسنية ، ويعطي لدار الحديث الحسنية وضعا قانونيا وأدبيا متميزا كمؤسسة عليمة معبرة عن اختيار ايديلوجي معين، قائما يؤكد جلالته بان الاسلام هو الاختيار الاديلوجي الوحيد للمملكة المغربية، وان ملك البلاد هو المؤتمن على هذا الاختيار والضامن لاستمراره.
ويلاحظ ايضا ان الدستور المغربي هو الدستور العربي الوحيد الذي رفض ان يكون الاسلام مجرد دين، وانما أراده ان يكون هوية فكرية للمغرب، قنص على ان المملكة المغربية" دولة اسلامية" لغتها العربية.
ولم يقل : دولة عربية دينها الإسلام ... وهذا تاكيد على ان الإسلام هو الهوية الفكرية الشمولية للمغرب، وان المغرب يرفض اية ايديلوجية اخرى مهما كانت منطلقاتها.
ان المتتبع لخطب وأقوال جلالة الملك الحسن الثاني يلاحظ بسرعة ان جلالته يملك قدرة بالغة على التصرف في الفكرة التي يريد التعبير عنها ، من خلال امتلاكه لثروة ضخمة من المفردات اللغوية التي تصبح دلالاتها اللفظية اداة طبيعية للتعبير البليغ عما يقصده جلالته من معان وأفكار.
ان جلالة الملك الحسن الثاني عندما يجعل الإسلام ركنا حقيقيا من أركان المدرسة السياسية في المغرب، فلان جلالته يؤمن بركنية العقيدة الإسلامية في البناء السياسي المغربي، انطلاقا من دور الإسلام في الحفاظ على الوحدة الترابية للمملكة المغربية ، وانتهاء بان الإسلام سيظل في جميع الظروف من أقوى العوامل التي تسهم في تحقيق الاستقرار، كراية يجتمع الشعب المغربي تحت ظلها، سواء في دفع الأخطار الخارجية ، أو في تدعيم الجبهة الداخلية..
وعندما ينادي جلالته بفكرة بين مختلف طبقات المجتمع ، فان جلالته يوقظ في الوجدان المغربي مسؤولية الحفاظ على الشخصية المغربية، التي لا يمكن ان تظل متماسكة البنيان ، الا في ظل الايمان بفكرة التعايش كأسلوب عقلاني وأخلاقي تنميه روح المسؤولية في الدفاع عن الشخصية الحضارية لهذه الامة...
وعندما يدعم جلالته مسيرة الديمقراطية متحديا بذلك مدرسة الديكتاتورية، ان جلالته يؤمن بالشعب المغربي كشعب جدير بالمسؤولية، متميز بفضيلة الالتزام بالدفاع عن الحقوق الوطنية، مدرك معنى الحرية وحدودها النهائية، بحيث تصبح أداة للبناء والتشييد...
ومن المؤكد ان المدرسة السياسية المغربية في عصر جلالة الملك الحسن الثاني ستظل إحدى المعالم الرئيسية في تاريخ المغرب الحديث، لوضوحها العقائدي، ولالتزامها الفكري ولأسلوبها المتميز في معالجة المشكلات، ولمبادراتها الذكية والشجاعة على مستوى السياسة الداخلية والسياسة الخارجية...
وبفضل تلك المدرسة فان جلالة الملك الحسن الثاني يعتبر من ابرز ملوك المغرب الذين استطاعوا ان يطبعوا السياسة المغربية بالشخصية المغربية الأصيلة، وان يعطوا للمغرب وجهه الحضاري والإنساني، كدولة متميزة الخصائص...

ليست هناك تعليقات